المقريزي

311

المقفى الكبير

وعليهما خطوط الشيوخ ، والصحيحان لمسلم والبخاريّ ، وجامع سفيان ، ومسانيد عدّة عن التابعين ، ولي - وأحمد اللّه - إملاءات عدّة في تفسير القرآن وتأويله وتخريجات من الصحاح المذكورة . وسمعت كتابي المزنيّ عن الطحاويّ عن المزنيّ « 1 » . وأمّا الأحاديث المنشورة [ 461 ب ] التي كنت أباكر بكور الغراب لاستماعها ، وأطّرح رتبة الدنيا في مزاحمة أشياعها ، فأكثر من أن تحصى . وكيف يظنّ بمثلي ممّن ظهر تماسكه إن كان لم يظهر باطنه ، تعلّق بالهباء المنثور ، وتمسّك بالضلال والزور ؟ أعوذ باللّه ! . ثمّ من بعد : فممّا يكثر تعجّبي منه أن تستمرّ هذه الشبهة فيعتقد أنّ أهل مصر كلّهم على المذهب الذي لا يرتضى . فإنّ السنّة المصمتة « 2 » غالبة على أهل مصر حتى لا أعرف واحدا فردا يشذّ عنها ، بل ربّما تعلّق بعضهم بمحبّة أهل البيت عليهم السلام ، وانفرد بها انفرادا يخصّ به المحقّين منهم ويعدل فيه عن غيرهم ، حتّى إنّه ليس هناك أحد يتشبّت بذلك المذهب إلّا حشو من العوامّ غرضهم الانتصار به من الذلّة والتشرّز « 3 » على نظرائهم من السوقة . ثمّ إذا نظر إلى ما منيت به في تلك البلاد من ذهاب السطوة الجائدة بدوح لي وأغصان ، وشيوخ وشبّان ، علم أنّ قلبي لو كان صافيا « 4 » لتكدّر تكدّرا لا يرجى بقاؤه أبدا . ومن المعلوم أنّي لو أنست بتلك البلاد لكان لي إليها بعد ذهاب الشخص الأوّل طريق لحب « 5 » ، ومذهب سهل . إلّا أنّني علم اللّه ، نافر منها ومن مالكها نفورا قد صار صبغة لا حيلة في زوالها ، ولا طريق إلى انتقالها ، لأنّها ليست لي وطنا ولا « أوّل أرض مسّ جلدي ترابها » « 6 » فأتأسّف عليها . والعجب أنّي كنت في الظواهر لا في البطاح ، بأكناف ذلك السرير المقدّس النبويّ ، لا بمرأى أيّ منه ومسمع ، وحولي من أعصي به وأطيع ، وأنفع وأضرّ ، من أمراء العرب حرسهم [ 393 ب ] اللّه في طوائف كثيرة من العجم ، فما حلت قطّ عن التمسّك بالولاء والتقرّب ، فكيف الآن ، لمّا صرت متقلّدا خدمة هذه السدّة ، زاد اللّه في بهاء سلطانها ، ومتطوّقا أمانته في تشييد عزّها ، ومتّخذا هذه القصور البيض معقلا لي ولولدي ، أعدل عن ذلك ؟ إنّ هذا لمن العجائب كما قدّمت ذكره . ومن السياسة العلويّة الآن أن يكشف كلّ ما رقّي حتى يبلغ إلى آخره ليعرف حقّه من باطله ، وصدقه من ماحله . فقد أحدث للقلب الأشرف انزعاجا ، وللسرير الأعظم ارتجاجا ، وابتذلت الألسن من الذكر ما كان يجب أن يكون مصونا عنها ، وكنت أنا خاصّا جاريا بشوط الجموح في الخدمة . ثمّ قد يعلم اللّه ، لئن نشأ لي طروق هذه التهمة العائرة ، أحلّ اللّه السوء الممحق من كان سببها .

--> ( 1 ) المزنيّ ( إسماعيل بن يحيى ، ت 264 ) : هو صاحب الشافعيّ ومصنّف المختصرين الكبير والصغير في فقه الشافعيّ ( ترجمته مرّت برقم 747 ) وأبو جعفر الطحاويّ ( أحمد بن محمد بن سلامة ت 321 ) روى عن خاله المزنيّ قبل أن ينتقل إلى مذهب أبي حنيفة ( ترجمة 666 ) ، وجاء في الصفحة الأولى من الترجمة هذا الاعتراض : لم يلحق المزنيّ لأنّ موت المزنيّ قبل مولده ب [ . . . ] . والحقيقة أنّ الوزير المغربيّ لم يدّع ذلك . ( 2 ) المصمتة : النقيّة من كلّ شائبة ، كالفرس المصمت ، الذي لا يخالط لونه لون آخر . ( 3 ) التشزّر قد تعني التعالي والتكبّر . ( 4 ) أي : لو كان صافيا للشيعة الفاطميّين . . . ( 5 ) الطريق اللحب واللاحب : السهل الواضح . ( 6 ) شطر بيت لرقاع بن قيس الأسديّ ، وصدره : بلاد بها نيطت عليّ تمائمي * وأوّل أرض . . .